أبو المعالي اللمؤيد بن محمد الجاجرمي

44

نكت الوزراء

جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي « 1 » كان مضرب « 2 » المثل في البلاغة ، ويقال ما رأى الناس مثل ابني يحيى الفضل في السماحة « 3 » ، وجعفر في البلاغة . وبلغ من شغف الرشيد به أن أمر بخياطة قميص واسع ذي جبتين فكان يلبس مع جعفر ويضاحكه . ولما بلغ هذا الخبر يحيى حزن لذلك وارتاح تيقنا أن البعد على قدر القرب ، والسخط على قدر الرضا . وكان كثيرا يقول : إن مثل أمير المؤمنين ومثل جعفر كالقوس والسهم أشد ما يكون من النازع قربا ، أبعد ما يكون منه رميا . ومن خبره ، أنه لما هاجت العصبية بالشام « 4 » ، واستفحل شرها ، وتفاقم أمرها ، قال الرشيد لجعفر : إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا ، فشخص إليها في جلة القواد وأصلح أمرها حتى انطفأت الثائرة وعاد الأمن والطمأنينة وأرسل من سحائب جوده على علمائها وزهادها ما ضاهى فعل أخيه الفضل بأهل خراسان حتى تدفق بحر الجود منها ، في شرق الأرض وغربها . وهذه لمع من كلامه : وقع إلى رجل تبين « 5 » منه ظلما : بئس الزاد إلى المعاد ، والعدوان على العباد .

--> ( 1 ) هو أبو الفضل جعفر بن يحيى ، وزير الرشيد . ولد ونشأ في بغداد ؛ استوزره الرشيد واختص بمنادمته ملقيا إليه أزمة الملك . وكان يدعوه أخي فانقادت له الدولة يحكم بما يشاء فلا ترد أحكامه ، إلى أن تحول الرشيد عن البرامكة سنة 187 ه ، فقتله في مقدمتهم ، ثم أحرق جثته بعد سنة . ترجمته في : البيان والتبيين 1 / 58 ؛ والطبري 8 / 137 وما بعدها ؛ وتاريخ بغداد 7 / 152 ؛ والعيون والحدائق 3 / 301 وما بعدها ؛ ووفيات الأعيان 1 / 328 - 341 ؛ والفخري ، 205 ؛ وأحسن المسالك في معرفة أخبار البرامك للميلوي ؛ والبداية والنهاية 10 / 189 ؛ والنجوم الزاهرة 2 / 123 . ( 2 ) ورد القول في ثمار القلوب ، 204 ، باختلاف لفظي . ( 3 ) في ثمار القلوب ، 204 ( سماحته ) . ( 4 ) أنظر عن الحادثة الوزراء والكتاب ، 208 ؛ وبقية الأصول التاريخية المعروفة . ( 5 ) في تحفة الوزراء ( شكي ) ؛ التمثيل والمحاضرة ، 146 .